الأبشيهي

628

المستطرف في كل فن مستظرف

معاوية : يا أبا إسحاق : هل بلغك أن في الدنيا مدينة من ذهب . قال : نعم يا أمير المؤمنين وقد ذكرها الله عز وجل في القرآن لنبيه صلى الله عليه وسلم بقوله عز من قائل : " ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد " " الفجر : 6 ، 7 ، 8 " . وقد أخفاها الله تعالى عن أعين الناس وسيدخلها رجل من هذه الأمة يقال له عبد الله بن قلابة الأنصاري ثم التفت فرأى عبد الله بن قلابة فقال : ها هو يا أمير المؤمنين وصفه واسمه في التوراة ولا يدخلها أحد بعده إلى يوم القيامة . وقيل : إن ذلك كان في خلافة عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه وأن الرجل الذي دخلها حكى ذلك لعمر بن الخطاب فلم ينكره ولا من كان حاضراً بل قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال يدخلها بعض أمتي والله سبحانه وتعالى أعلم . ومن المباني العجيبة الخورنق : الذي بناه النعمان بن امرئ القيس وهو النعمان الأكبر بناه في عشرين سنة فلما انتهى أعجبه فخشي أن يبنى لغيره مثله فأمر أن يلقى بانيه من أعلاه فألقوه فتقطع واسم بانيه سنمار فصارت العرب تضرب به المثل . يقولون جزاه جزاء سنمار . قال الشاعر : [ من البسيط ] جازى بنوه أبا الغيلان عن كبر * وحسن فعل كما يجزى سنمار ومن المباني العجيبة حائط العجور : واسمها دلوك القبطية وسبب بنائها لذلك أنها ولدت ولداً فأخذت له الرصد فقيل لها يخشى عليه من التمساح فلما شب الغلام خافت عليه فبنت الحائط وجعلته من العريش إلى أسوان شاملاً لكورة مصر من الجانب الشرقي وقيل : بنته خوفاً على مصر وأهلها بعد غرق فرعون أن يطمع الملوك فيها وقد قيل إنها أرادت أن تخوف ولدها من التمساح حتى لا ينزل البحر فصورت له صورة التمساح فرآه شكلاً مهولاً فأذهله وأخذه الفزع والهم فضعف وانسل إلى أن مات . لا مفر من قضاء الله تعالى . ومن المباني العجيبة الأهرام : وهي بالجانب الغربي من مصر مشاهدة في زماننا هذا . قيل إن دور الهرم الأكبر من الثلاثة آلاف ذراع من كل جهة خمسمائة ذراع وعلوه خمسمائة ذراع وقد ذهب المأمون إلى مصر حتى شاهدها على ما ذكر وفتح منها هرماً وتعجب من بنيانها وصفتها قيل : إن كل حجر من حجارتها ثلاثون ذراعاً في عرض عشرة أذرع وقد أحكم إلصاقه ونحته وتسويته ولا يقدر النجار الصانع أن يتخذ من خشب صندوقاً صغيراً على إحكامه وهي من عجائب الدنيا . قال بعضهم : [ من الكامل ] أين الذي الهرمان من بنيانه * ما قومه ما يومه ما المصرع تتخلف الآثار عن سكانها * حيناً ويدركها الفناء فتصرع وزعم قوم أن الأهرام الموجودة بمصر قبور لملوك عظام أراعوا أن يتميزوا بها عن الناس بعد مماتهم كما تميزوا عنهم في حياتهم ورجوا أن يبقى ذكرهم بسببها على تطاول الدهور وتراخي العصور . ولما وصل المأمون إلى مصر أمر بنقبها فنقب أحدها بعد جهد شديد وعناء طويل فوجد داخله مزاليق